الشيخ محمد رشيد رضا

54

الوحي المحمدي

وأما ما أكرمه اللّه تعالى به من الآيات الكونية فلم يكن لإقامة الحجة على نبوته ورسالته ، بل كان من رحمة اللّه تعالى وعنايته به وبأصحابه في الشدائد ، كنصرهم على المعتدين من الكفار الذين يفوقونهم عددا وعتادا واستعدادا بالسلاح والطعام ، وناهيك بغزوة بدر والنصر فيها ، ثم بغزوة الأحزاب إذ تألب المشركون واليهود على المسلمين وأحاطوا بمدينتهم فردهم اللّه بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى اللّه المؤمنين شر القتال . من تلك الآيات : شفاء المرضى ، وإبصار الأعمى ، وإشباع العدد الكثير من الطعام القليل في غزوة الأحزاب وفي غزوة تبوك ، كما وقع للمسيح عليه السلام . ومنها : تسخير اللّه السحاب لإسقاء المسلمين ؛ وتثبيت أقدامهم التي كانت تسيح في الرمل ببدر ، ولم يصب المشركين من غيثها شئ . ومثل ذلك في غزوة تبوك إذ نفذ ماء الجيش في الصحراء والحر شديد حتى كانوا يذبحون البعير ويخرجون الفرق من كرشه ليعتصروه ويبلّوا به ألسنتهم على قلة الرواحل معهم ، وكان يقل من يجد من عصارته ما يشربه شربا ، فقال أبو بكر : يا رسول اللّه إنّ اللّه عودك في الدعاء خيرا فادع لنا ، فرفع يديه فدعا ، فلم يرجعهما حتى كانت السّماء قد سكبت لهم ما ملئوا ما معهم من الروايا ، ولم تتجاوز عسكرهم « 1 » . تأثير العجائب في الأفراد والأمم : لقد كانت آيات المرسلين حجة على الجاحدين المعاندين ، استحقّوا بجحودها عذاب اللّه في الدنيا والآخرة ، ولم يؤمن بها ممن شاهدوها إلا المستعدون للإيمان بها . إن فرعون وقومه لم يؤمنوا لآيات موسى ، وإن أكثر بني إسرائيل لم يعقلوها « 2 » ، وقد اتخذوا العجل وعبدوه بعد رؤيتها ورؤية غيرها في برية سيناء . وقال اليهود في المسيح : لولا أنه رئيس الشياطين لما أخرج الشيطان من الإنسان . وقالوا إن إبليس أو بعلزبول « 3 » يفعل أكثر من فعله ، وما كان أكثرهم مؤمنين . وقال المنافقون وقد رأوا بأعينهم سحابة واحدة في إبان القيظ قد مطرت عسكر المؤمنين وحده عند دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم : إننا مطرنا بتأثير النوء لا بدعائه .

--> ( 1 ) رواه ابن جرير ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، وأبو نعيم ، والبيهقي في كتابيهما « دلائل النبوة » والضياء في الأحاديث المختارة والروايا جمع رواية وهو البعير الذي يحمل عليه الماء ، وكذا غيره من الدواب . ( 2 ) قال تعالى : فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ [ يونس : 83 ] . الذرية : صغار النسل ، والمتبادر أن تنكيرها هاهنا للتقليل . ( 3 ) بعلزبول : من أسماء الشيطان عندهم .